محمد جمال الدين القاسمي
419
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإذا لم يكن مدركا بالحس ، جاز أن يخرق اللّه تعالى العادة لعيسى عليه السلام شبهه في غيره . كما خرق له العادة في إحيائه الموتى وغيره . ثم يرفعه ويصونه عن إهانة أعدائه . وهو اللائق بكريم آلائه . في إحسانه لخاصة أنبيائه وأوليائه وإذا جوز العقل مثل هذا مع أن الحس لا مدخل له في ذلك ، بقي إخبار القرآن الكريم عن عدم الصلب سالما عن المعارض . مؤيدا بكل حجة . وسقط السؤال بالكلية . وثانيها - سلمنا أن الحس يتعلق بالتفرقة بين المثلين . والتمييز بين الشبهين . لكن لا نسلم أن العدد المباشر للصلب كانوا بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب . ويدل على أنهم ليسوا كذلك ، أن الحواريين فرّوا عنه . لأنه لو وجد أحد منهم لقتله اليهود . فحينئذ عدد التواتر متعذر من جهة شيعة النصارى عن أسلافهم . لا يفيد علما بل هو ظن وتخمين لا عبرة به . لذلك قال اللّه سبحانه في قرآنه المبين : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ . أي : هم لا يتيقنون ذلك . بل يحزرون بالظن والتخمين . وأما من جهة الملة اليهودية ، فلأن المباشر منهم للصلب إنما هو الوزعة وأعوان الولاة . وذلك في مجرى العادة يكون نفرا قليلا . كالاثنين أو الثلاثة ونحوها . يجوز عليهم الكذب ولا يفيد خبرهم العلم بكون العادة وخرج الصلب عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب يفتقر إلى نقل متواتر . فإنه لو وقع ونقل بأخبار الآحاد لم يحصل لنا علم بالصلب . فإن المتواترات إذا نقلت بأخبار الآحاد ، سقط اعتبارها في إفادة العلم . لجواز كذب الناقل . فلا يكون عدد التواتر حاصلا في نفس الأمر . والنصارى واليهود إنما يعتمدون على التوراة والإنجيل . ولا يوجد يهوديّ ولا نصرانيّ على وجه الأرض يروي التوراة والإنجيل ، عدلا عن عدل ، إلى موسى وعيسى عليهما السلام . وإذا تعذرت عليهم رواية العدل عن العدل ، فأولى أن يتعذر التواتر . ولم يبق في الكتابين إلا أخبار وتواريخ بعيدة الزمان جدا . بحيث إن التواريخ الإسلامية أصح منها ، لقرب عهدها . مع أنه لا يجوز الاعتقاد في فروع الديانات على شيء من التواريخ . فضلا عن أصول الأديان . وإذا ظهر أن مستند هاتين الأمتين العظيمتين في العدد ، في غاية الضعف - كانت أخبارها في نفسها في غاية الضعف . لأن الفرع لا يزيد على أصله . وثالثها - أن نصوص الإنجيل مشعرة بعدم صلب عيسى عليه السلام بخصوصه . كما نقلنا بعضها آنفا . وقال في ( تخجيل الأناجيل ) : فيقال للنصارى : ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه ، أتنقلونه تواترا أم آحادا ؟ فإن زعموا أنه آحاد لم يقم بذلك حجة ، ولم يثبت العلم الضروريّ . إذ الآحاد لم يأمن عليهم فيها السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب .